المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مووو حرام لو مزحنا و ضحكنا...



آيات
04-24-2005, 04:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحياة رحلة شاقة ، حافلة بالمتاعب و الآلام ، ولا يسلم امرؤ فيها من تجرع لون أو ألوان من غصصها ، و مكابدة آلامها ، و إن ولد و في فمه ملعقة من ذهب ، كما يقولون .

و قد أشار القرآن إلى ذلك حين قال : ( لَقَدُ خَلَقُنَا الُإِنَسَانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) ) ( '106' ) .

و أهل الإيمان أكثر تعرضاً لبلاء الدنيا من غيرهم ، نظراً لخطورة مطلبهم ، من ناحية ، و كثرة من يعارضهم و يقطع عليهم طريقهم من ناحية أخرى .

حتى ورد في بعض الآثار : « المؤمن بين خمس شدائد : مسلم يحسده ، و منافق يبغضه ، و كافر يقاتله ، و شيطان يضله ، و نفس تنازعه » .

و ثبت في الحديث أن أشد الناس بلاءً : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل .

لهذا كان الناس – كل الناس – في حاجة إلى واحات في طريقهم تخفف عنهم بعض عناء رحلة‌ الحياة ، و كان لا بد لهم من أشياء يروحون بها أنفسهم ، حتى يضحكوا ويفرحوا ويمرحوا ، و لا يغلب عليهم الغم و الحزن و النكد ، فينغص عليهم عيشهم ، ويكدر عليهم صفوهم .

و كان من تلك الأدوات : الغناء .

و منها : الفكاهة و المرح ، و كل ما يستخرج الضحك من الإنسان ، ويطارد الحزن من قلبه ، و العبوس من وجهه ، و الكآبة من حياته .

فهل يرحب الدين بهذا الفن « الكوميدي » أو يضيق به ؟ هل يحله أو يحرمه ؟


الفكاهة و المرح في واقع المسلمين :

و قد رأيت الناس – بفطرتهم – و على قدر ما سمحت به إمكاناتهم ، و في ضوء ما فرفوه من سماحة دينهم – قد ابتكروا ألواناً من الوسائل و الأدوات التي تقوم بوظيفة الترويح والإضحاك لهم .

من ذلك : « النكت » التي برع فيها المصريون ، و اشتهروا بها بين الشعوب ، و هي أنواع مختلفة ، و لها مهمات متعددة ، و منها : « النكت السياسية » التي تهزأ بالحكام و أعوانهم ، و خصوصاً في أوقات التسلط و الاستبداد السياسي .

و لا يكاد يجلس الناس بعضهم إلى بعض إلا حكوا من هذه النكت ما يضحكهم ويسري عنهم بعض ما يعانون . أحياناً يسندونها إلى معين .

و هناك أناس لا يقتصرون على حكاية النكت عن غيرهم ، بل هم ينشئون نكتاً على البديهة ، و هذا شأن الشخصيات الفكهة ، مثل « الشعب » قديماً ، و مثل الشيخ « عبد العزيز البشري » حديثاً في مصر .

و كانت في مصر بعض المجلات المتخصصة في هذا اللون ، أشهرها مجلة « البعكوكة » .

ويلحق بذلك فن « القفشات » و ما يسميه المصريون « الدخول في قافية » ، و هو لون من استخدام المجاز و التورية حول موضوع واحد ، يتطارح فيه الطرفان .

و من ذلك : ألوان من الألعاب التي تدعو إلى الضحك و المرح ، مثل لعبة‌ « الأرا جوز » .

و مثله « خيال الظل » الذي كان يعتبر نوعاً من التمثيل الشعبي الفكاهي .

و من ذلك : الألغاز و الأحاجي ، أو ما يسمى في لغة العامة « الفوازير » .

و من ذلك :‌ القصص الفكاهية ،‌ أو ما يسميه العوام « الحواديت » المسلية و المرفهة .

و من ذلك : « الأمثال الشعبية »‌ التي كثيراً ما تتضمن أفكاراً أو تعبيرات تبعث على الضحك و المرح . . .

إلى غير ذلك من الألوان ، التي تخترعها الشعوب بوساطة فنانين معروفين أو مجهولين غالباً ، ملائمة لكل بيئة‌ و ما يسودها من فيم و مفاهيم ، و ما تمر به من ظروف و أحوال .

و كل عصر يضيف أشياء جديدة‌ ، ويطور الأشياء القديمة ،‌ و قد يستغني عن بعضها .

كما نرى في عصرها في « الكاريكاتير » الذي حول النكتة‌ من مجرد كلمة تقال ، إلى صورة معبرة‌ ، مصحوبة ببعض الكلام ،‌ أو غير مصحوبة‌ .

فما موقف الدين من الضحك و المرح و الفكاهة ، نظراً لما يبدو على بعض المتدينين من العبوس و التجهم ، فيكادون لا يضحكون ،‌و لا يمزحون ، حتى حسب بعض الناس أن هذه هي طبيعة الدين و التدين .

أن الضحك من خصائص الإنسان ، قالحيوانات لا تضحك ؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم و المعرفة لقول يسمعه ، أو موفق يراه ، فيضحك منه .

و لهذا قيل : الإنسان حيوان ضاحك ، ويصدق القول هنا : أنا أضحك ، إذن أنا إنسان .

و الإسلام – بوصفه دين الفطرة – لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك و الانبساط ،‌ بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة‌ باسمة‌ طيبة ، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة‌ ، ويكره الشخصية المكتئبة‌ المتطيرة ، التي لا تنظر إلى الحياة و الناس إلا من خلال منظار قاتم أسود .

و أسوة‌ الملمين في ذلك هو رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، فقد كان – برغم همومه الكثيرة‌ و المتنوعة – يمزح و لا يقول إلا حقاً ، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية ،‌ يشاكهم في ضحكهم ولعبهم و مزاحهم ،‌كما يشاركهم آلامهم و أحزانهم و مصائبهم .

يقول زيد بن ثابت ، و قد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقال : « كنت جاره ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلى فكتبته له ، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ،‌و إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، و إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، قال ‌: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) » ( '107' ) .

و قد وصفه أصحابه بأنه كان من أفكه الناس ( '108' ) .

و قد رأينا في بيته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – يمازح زوجاته ويداعبهن ، ويستمع إلى أقاصيصهن ، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري .

و كما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها ، حيث سبقته مرة ، و بعد مدة تسابقا فسبقها ، فقال لها : « هذه بتلك » !

و قد روي أنه وطأ ظهره لسبطية الحسن و الحسين ، في طفولتها ليركبا ، ويستمتعا دون تزمت و لا تحرج ، و قد دخل عليه أحد الصحابة و رأي هذا المشهد فقال : نعم المركب ركبتما ، فقال عليه الصلاة و السلام : « و نعم الفارسان هما » !

و رأيناه يمزح مع تلك المرأة‌ العجوز التي جاءت تقول له : ادع الله أن يدخلني الجنة‌ ، فقال لها : « يا أم فلان ؛ أن الجنة‌ لا يدخلها عجوز » ! فبكت المرأة ، حيث أخذت الكلام على ظاهره ، فأفهمها : أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزاً ،بل شابة حسناء .

و تلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة : ( إِنَآ أَنشَأُنَاهنَ إِنشَآءَ ( 35 ) فَجَعَلُنَاهنَ أَبُكَاراً ( 36 ) عرباً أَتُرَابَا ( 37 ) ) ( '109' ) .

و جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير ، فقال له عليه الصلاة و السلام : « لا أحملك إلا على ولد الناقة » ! فقال : يا رسول الله ؛ وماذا أصنع بولد الناقة ؟ ! – انصرف ذهنه إلى الحوار الصغير – فقال « وهل تلد الإبل إلا النوق » ؟ ( '110' ) .

و قال زيد بن أسلم : إن امرأة‌ يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقالت : إن زوجي يدعوك ، قال : « ومن هو ؟ أهو الذي بعينه بياض » ؟ قالت : و الله ما بعينه بياض ! فقال : « بلى إن بعينه بيضاً » فقالت :‌ لا والله ،‌ فقال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما من أحد إلا بعينه بياض » ( '111' ) ، وأراد به البياض المحيط بالحدقة .

و قال أنس : كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير ، و كان رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يأتيهم و يقول : « يا أبا عمير؛ ما فعل النغير »‌ ؟ لنغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور .

و قالت عائشة رضي الله عنها : كان عندي رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و سودة بنت زمعة فصنعت حريرة ( دقيق يطبخ بلبن أو دسم ) و جئت به ، فقلت لسَودَة‌ : كلي ، فقالت : لا أحبه ، فقلت : و الله لتأكلن أو لألطخن به وجهك ، فقالت : ما أنا بذائقته ، فأخذت بيدي من الصحفة‌ شيئاً منه فلطخت به وجهها ،ورسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جالس بيني و بينها ، فخفض لها رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ركبتيه لتستقيد مني ، فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي ! و جعل رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يضحك ( '112' ) .

و روي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً ، فلما بايعه النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال :‌ إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء – و ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب – أفلا أنزل لك عن « إحداهما فتتزوجها ! – و عائشة جالسة تسمع – فقالت : أهي أحسن أم أنت ؟ فقال : أنا أحسن منها و أكرم ، فضحك رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) من سؤالها إياه ؛‌ لأنه كان دميماً ( '113' ) .

و كان ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يحب إشاعة السرور و البهجة في حياة الناس ، و خصوصاً في المنابات مثل الأعياد و الأعراس .

و لما أنكر الصديق أبو بكر رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته و انتهرهما ، قال له : « دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد » !

و في بعض الروايات : « حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة » .

و قد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده عليه الصلاة و السلام في أحد أيام الأعياد ، و كان يحرضهم و يقول : « دونكم يا بني أرفدة » !

و أتاح لعائشة أن تنظر إليهم من خلفه ، و هم يلعبون و يرقصون ، و لم ير في ذلك بأساً و لا حرجاً .

و استنكر يوماً أن تزف فتاة إلى زوجها زفافاً صامتاً ، لم يصحبه لهو و لا غناء ، و قال : « هلا كان معها لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ، أو الغزل » .

و في الروايات : « هلا بعثتم معها من تعني و تقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيونا نحييكم » .

و كان أصحاب النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ومن تبعهم في خير قرون الأمة يضحكون و يمزحون ، اقتداءً بنبيهم ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و اهتداءً بهدية . حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب – على ما عرف عنه من الصرامة و الشدة – يروى عنه أنه مازح جارية له ، فقال لها : خلقني خالق الكرام ، و خلقك خالق اللئام ! فلما رآها ابتأست من هذا القول ، قال لها مبيناً : و هل خالق الكرام و اللئام إلا الله عز و جل ؟ ؟

و قد عرف بعضهم بذلك في حياته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – و أقره عليه ، و استمر على ذلك من بعده . و قبله الصحابة ، و لم يجدوا فيه ما ينكر ، برغم أن بعض الوقائع المروية في ذلك لو حدثت اليوم لأنكرها معظم المتدينين أشد الإنكار ، و عدو فاعلها من الفاسقين أو المنحرفين !

من هؤلاء المعروفين بروح المرح و الفكاهة‌ و الميل إلى الضحك و المزاح : النعيمان بن عمر الأنصاري رضي الله عنه ، الذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة و غريبة‌ .

و قد ذكروا أنه كان ممن شهد العقبة الأخيرة ، و شهد بدراً و أحداً ، و الخندق ، و المشاهد كلها .

روي عنه الزبير بن بكار عدداً من النوادر الطرفة في كتابه « الفكاهة و المرح » نذكر بعضاً منها . . .

قال : و كان لا يدخل المدينة‌ طرفة إلا اشترى منها ، ثم جاء‌ بها إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فيقول : هذا أهديته لك ، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها ، أحضره إلى النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، قائلاً :‌أعط هذا ثمن متاعه ، فيقول : « أولم تهده لي » ؟ فيقول : إنه والله لم يكن عندي ثمنه ، و لقد أحببت أن تأكله ! فيضحك ، و يأمر لصاحبه بثمنه .

و أخرج الزبير قصة أخرى من طريق ربيعة بن عثمان قال :‌دخل أعرابي على النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و أناخ ناقته بفنائه ، فقال بعض الصحابة للنعيمان الأنصاري : لو عقرتها فأكلناها ، فإنا قد قدمنا إلى اللحم ؟ ففعل ، فخرج الأعرابي و صاح : و اعقراه يا محمد ! فخرج النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) فقال : « من فعل هذا » ؟ فقالوا : النعيمان ، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، و استخفى تحت سرب لها فوقه جريد ، فأشار رجل إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) حيث هو فأخرجه فقال له : « ما حملك على ما صنعت » ؟ قال : الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني بذلك ، قال : فجعل يمسح التراب عن وجهه و يضحك ، ثم غرمها للأعرابي .

و قال الزبير أيضاً : حدثني عمي عن جدي قال : كان مخرمة‌ بن نوفل قد بلغ مائة و خمس عشرة سنة ، فقام في المسجد يريد أن يبول ، فصاح به الناس ، المسجد المسجد ، فأخذه نعيمان بن عمرو بيده ، و تنحى به ، ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد فقال له : بل هنا ، قال : فصاح به الناس فقال : و يحكم ، فمن أتى بي إلى هذا الموضع ؟ ! قالوا : ننعيمان ، قال : أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت ! فبلغ ذلك نعيمان ، فمكث ما شاء الله ، ثم أتاه يوماً ، و عثمان قائم يصلي في ناحية المسجد ، فقال لمخرمة‌ :‌ هل لك في نعيمان ؟‌ قال :‌نعم ، قال : فأخذه بيد حتى أوقفه على عثمان ، و كان إذا صلى لا يلتفت فقال : دونك هذا نعيمان ، فجمع يده بعصاه ، فضرب عثمان فشجه ، فصاحوا به : ضربت أمير المؤمنين ! فذكر بقية القصة ( '114' ) .

و من الطرائف أن صحابياً آخر من أهل الفكاهة و المزاح ، استطاع أن يوقع نعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من « المقالب » كما في قصة‌ سويبط بن حرملة معه ، و كان ممن شهد بدراً أيضاً ، قال ابن عبد البر في « الاستيعاب » في ترجمة سويبط رضي الله عنه : و كان مزاحاً يفرط في الدعابة ، و له قصة‌ ظريفة مع نعيمان و أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، نذكرها لما فيها من الظرف ، و حسن الخلق .

روي عن أم سلمة قالت : خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ( صلي الله عليه وآل و سلم ) بعام ،‌و معه نعيمان و سويبط بن حرملة ، و كانا قد شهدا بدراً ، و كان نعيمان على الزاد ، فقال له سويبط – و كان رجلاً مزاحاً - : أطعمني ، فقال : لا حتى يجيء أبو بكر رضي الله عنه ، فقال : أما و الله لأغيظنك ، فمروا بقوم فقال لهم سويبط : تشترون مني عبداً ؟ قالوا : نعم ، قال : أنه عند له كلام ، و هو قائل لكم : إني حر ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه ، فلا تفسدوا علي عبدي ، قالوا : بل نشتريه منك ، قال : فاشترون منه بعشر قلائص ، قال : فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً ، فقال نعيمان : إن هذا يستهزىء بكم ، و إني حر ، لست بعبد ، قالوا : قد أخبرنا خبرك ، فانطلقوا به ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه . فأخبره سويبط فأتبعهم ، فرد عليهم القلائص ، و أخذه ، فلما قدموا على النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) أخبروه قال : فضحك النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و أصحابه منها حولاً ( '115' ) .

آيات
04-24-2005, 04:22 PM
حدود المشروعية في الضحك و المزاح

إن الضحك و المرح و المزاح أمر مشروع في الإسلام ، كما دلت على ذلك النصوص القولية ، و المواقف العملية للرسول الكريم ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و أصحابه رضي الله عنهم .

و ما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلى شيء من الترويح يخفف عنها لأواء الحياة و قسوتها ، و تشعب همومها و أعبائها .

كما أن هذا الضرب من اللهو و الترفيه يقوم بمهمة التنشيط للنفس ، حتى تستطيع مواصلة‌ السير والمضي في طريق العمل الطويل ، كما يريح الإنسان دابته في السفر ، حتى لا تنقطع به .

فمشروعية الضحك و المح و المزاح لا شك فيها في الأصل ، و لكنها مقيدة بقيود و شروط لا بد أن تراعي :

أولاً : ألا يكون الكذب و الاختلاق أداة الإضحاك للناس ، كما يفعل بعض الناس في أول إبريل ( نيسان ) فيما يسمونه « كذبة إبريل » .

و لهذا قال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ويل للذي يحدث فيكذب ، ليضحك القوم ، ويل له ،‌ ويل له ، ويل له » ( '118' ) .

و قد كان ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يمزح و لا يقول إلا حقاً .

ثانياً :‌ ألا يشتمل على تحقير لإنسان آخر ، أو استهزاء به وسخرية منه ، إلا إذا أذن بذلك و رضي .

قال تعالى : ( يَأَيهَا الَذِينَ ءَ امَنواُ لَا يَسُخَرُ قَوُم مِن قَوُمٍ عَسَى أَن يَكونواُ خَيُرَاَ مِنُهمُ وَلَا نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكنَ خَيُرَاَ مِنُهنَ وَلَا تَلُمِزواُ أَنُفسَكمُ وَ لَا تَنَابَزواُ بِالُأَلُقَابِ بِئُسَ الاِسُم الُفسوق بَعُدَ الُإِيُمَانَ ) ) ( '119' ) .

و جاء في صحيح مسلم : « بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم » .

و ذكرت عائشة أمام النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) إحدى ضرائرها ،‌ فوصفتها بالقصر تعيبها به ، فقال : « يا عائشة‌ ؛ لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » .

قالت : وحكيت له إنساناً – أي قادته في حركته أو صوته أو نحو ذلك – فقال : « ما أحب أني حكيت إنساناً و أن لي كذا و كذا » ('120').

ثالثاً : ألا يترتب عليه تفزيع ترويع لمسلم .

فقد روي أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، أنهم كانوا يسيرون مع النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقام رجل منهم ، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ، ففزع ، فقال رسول الله ( لي الله عليه و آل محمد ) : « لا يحل لرجل أن يروع مسلماً » .

و عن النعمان بن بسير قال : كنا مع رسول الله ( صلي الله عليه و‌ آل و سلم ) في مسير ، فخفق رجل على راحلته ( أي نعس ) فأخذ رجل سهماً من كنا نته فانتبه الرجل ، ففزع ، فقال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) « لا يحل لرجل أن يروع مسلماً » ( '121' ) . . و السياق يدل على أن الذي فعل ذلك كان يمازحه .

و قد جاء في الحديث الآخر : « لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً و لا جاداً » ( '122' ) .

رابعاً : ألا يهزل في موضع الجد ، و لا يضحك في مجال يستوجب البكاء ، فلكل شيء أوانه ، و لكل أمر مكانه ، و لكل مقام مقال . و الحكمة وضع الشيء‌ في موضعه المناسب.

و من ممادح الشعراء :



إذا جد عند الجد أرضاك جده
و ذو باطل إن شئت ألهاك باطله !



و الباطل هنا يقصد به اللهو المرح .

و قال آخر :

أهازل حيث الهزل يحسن بالفتى و إني إذا مجد الرجال لذ و جد !




و روي الأصمعي أنه رأي امرأة بالبادية تصلي على سجادتها خاشعة ضارعة ، فلما فرغت و قفت أمام المرآة‌ تتجمل و تتزين ،‌فقال لها : أين هذه من تلك ؟

فأنشدت تقول :

ولله مني جانب لا أضيعه و للهو مني و البطالة جانب !


قال : فعرفت أنها امرأة عابدة لها زوج تتجمل له .

و قد عاب الله تعالى على المشركين أنهم كانوا يضحكون عند سماع القرآن و كان أولى بهم أن يبكوا ، فقال تعالى : ( أَفَمِنُ هَذَا الُحَدِيُثِ تَعُجَبونَ ( 59 ) وَ تَضُحَكونَ وَلَا تَبُكونَ ( 60 ) وَ أَنُتمُ سَامِدونَ ( 61 ) ) ( '123' ) .

خامساً : أن يكون ذلك بقدر معقول ، و في حدود الاعتدال و التوازن ، الذي تقبله الفطرة السليمة ، وير ضاه العقل الرشيد ، ويلائم المجتمع الإيجابي العامل .

و الإسلام يكره الغلو و الإسراف في كل شيء ، و لو في العبادة ، فكيف باللهو و المرح ؟‌‌‌ !

و لهذا كان التوجيه النبوي : « و لا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب » ؛ فالمنهي عنه هو الإكثار و المبالغة .

و قد ورد عن علي رضي الله عنه قوله : « أعط الكلام من المزح ، بمقدار ما تعطي الطعام من الملح » .

و هو قول حكيم ، يدل على عدم الاستغناء عن المزح ، كما يدل على ضرر الإفراط فيه .

و خير الأمور هو الوسط دائماً ، و هو نخج الإسلام و خصيصته الكبرى ، و مناط فضل أمته على غيرها ( '124' )

عذب السجايا
04-25-2005, 02:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
موضوع جيد ياآيات ولكن احيانا عندما يضحك الانسان ويتذكر اخوان لنا يبكون بدل مايضحكون لما يجدون من الشدة من اعداء الله قتالتهم الله وعجل بهلاكهم فالنضحك ولكن لانس اخوانه المحرومون من الضحك أسأل الله ان يجعل بنصرهم آمين (فائدة كان رسول الله صلي الله عليه وسلم جل ضحكه تبسمآ

الهجيس
04-25-2005, 11:34 AM
هذي بداياتك معنا يا " آيات " قوية.. جيدة.. مفيدة!

الموضوع أكثر من رائع ، تمنياتي لكِ بالتوفيق,,

آيات
04-25-2005, 01:07 PM
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

شكرا أعزائي على المرور ...بس بدي أقول لعذب السجايا معك حق بس الحياة تستمر و يقول الله عزوجل تفاءلوا خيرا تجدوه ....اعذرني على الهفوة بالطبع جل ضحكه تبسما ....تسلمووو على هالطلة الحلوة .

ربان الامواج
04-25-2005, 01:31 PM
والله انه موضوع اكثر من رائع .
واتمنى المزيد من الابداع اختي الفاضلة ايات.

والصراحة اكرر واقول فعلا موضوع اكثر اكثر اكثر من رائع.