عيـ همس ـون
05-11-2007, 11:57 AM
سيداتي آنساتي سادتي
للفقر طعمٌ لا يعرفه إلا الفقراء ! وحياة لا يدركها إلا أهلوها ، هم أهل الأرض حقيقة وأما غيرهم فمجاز استوفى شروطه ! هم وليس غيرهم ؛ من يستطيع أن يحدثوك حديث العفوية في أبهى صُوَرِها ، حديث الصدق وحديث القلب ، وهم هم ؛ من يعيشون حياتهم في منأىً عن المجاملات الفارغة ، والبروتوكولات المقيِّدة ، وهم الذين يموتون كما يموت الإنسان المخلوق من طينٍ لازب ، يموتون ولا يشعر بهم إلا قلةٌ من الناس ! فيُدفنون فيما بين غمضة عين وانتباهتها ! كرامةً من الله لهم أن يعبث بهم أصحاب البروتوكولات والتنظيمات ..
وكم أتعجب ، ويأخذني العجب بتلابيبي ويطرحني أرضاً ! من شعراء ـ زعموا ـ يتحدثون في قصائدهم بأساليب الفقراء ، ومصطلحات الفقراء ، ونفَسِ الفقراء ، وهم ما عرفوا الفقر يوماً من دهرهم ، بلْهَ ساعةً ! بلْهَ ثانيةً ، فمنذ أن لفظتهم أرحام أمهاتهم ! وهم على الأرائك يتقلبون ، وأرتالٌ من الخدم والحشم من حولهم واقفون ، وفي حياتهم كلها لم يُضربوا ضرب غرائب الإبل كما ضُربنا ، ولا ضرب ربات الحِجال ، لم يسمعوا كلمة لا ! وما طلبوا شيئاً قليلاً ولا كثيراً إلا أُحضر لهم على متون الرياح !
غير أنهم اليوم يتحدثون بلغتنا ، لا أقول بلهجتنا ، فيذكرون فيما يذكرون شظف العيش ! والمعاناة ! والألم ، وصدقوا وهم الصادقون المصَدَّقون !! فإنهم وجدوا من شظف العيش ما لم يجدْه ذو أطمارٍ بالية !
فهذا أحدهم ، لقي من العناء ما لقي ، فلكم أن تتخيلوا من السوء ما شئتم ولن تصلوا إلى كُنْه ما لقيه !! فإنه في ثلاثة أيامٍ عجافٍ متتاليات ، في مدة عشر سنواتٍ ؛ لم يذق فيها إسكريماً بالفراولة !! ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
وآخر ! لقي من المعاناة ما لقي ، حتى كاد أن يأكل خشاش الأرض ، وقصته يا سادة لا كالقصص ، إنها قصة محزنة للغاية ، إن دلتْ فإنما تدل على حقارة الدنيا ! كما هي عِبارته ، فإنه قد سعى في شراء أرض ببضعة ملايين ، ولم يكتبها الله له ، فاشتراها غيره ! فرجع إلى قصره يبكي كما الطفل الرضيع ..
وثالثٌ ! أمضه الألم حتى كاد أن يقتله .. فكيف له بالصبر على انتظار سيارته الجديدة ساعةً من نهار ! وما فتيء يلعن الجمارك دهره لأجل تلك الساعة ..
بعيداً بعيداً أيها المزيفون ! فنحن النائحة الثكلى وأنتم المستأجرة ، لن ينخدع بكم إلا من هو على شاكلتكم ! في شظف العيش والمعاناة والألم !! أما نحن فما نسمع قصائدكم حتى يكاد يقتلنا زيفكم وصفاقة وجوهكم ! لِمَ التشبه بنا ؟! وعلامَ محاكاتنا ؟! نحن راضون بما قسم الله لنا ، فلن نعترض طريقكم فابتعدوا عنا ..
ليت شِعري وشَعري ! ما الذي يدعوكم إلى كل هذا ؟! أم إنه التسلق إلى المناصب على أكتافنا ! فأبعدكم الله ، ألم تجدوا ما تسخرون به غيرنا ! أم أنه الحسد لما أنعم الله به علينا ، من التلذذ برائحة الأرض ، والأكل مما تيسر من بقلها وفومها وعدسها ، ومن مقاساة الشدائد من قطع الكهرباء والماء ، ومن الاستمتاع بعد الليالي ، في انتظار ليلة الخامس والعشرين من كل شهر ، ليفرح الوالد أشد من فرح الصِّبية ، وما نقول أيها المنعمون في الحِلية في تشبهكم بنا ، إلا اعتراكم بعض سعادتنا بسوء !
وإليكم يا سادة فقيراً من فقرائنا ، وشاعراً ثقّفه الفقر حتى غدا لا يُشق له غبار .. إنه ابن الرومي فانظروا إليه وهو يحكي بعض مواقفنا اليومية ..
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به
--------------------------------------- يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصرِ
ما بين رؤيتهـا في كفـه كـرةً
--------------------------------------- وبيـن رؤيتهـا زهـراء كالقمرِ
إلا بمقـدار مـا تنـداح دائـرةٌ
--------------------------------------- في صفحة الماء يُرمَى فيه بالحجر
هذا هو الفقير قلباً وقالباً ، أخذ الفقر أباً عن جد ، يحمله خلفٌ عن سلف ، حتى وصل إليه ، فحمل الراية فقام بها خير قيام ، حتى أنتج لنا تلك الأبيات الخالدة ..
معاشر الفقراء .. إننا قادمون على أيامٍ عصيبة ، أيامٌ لا يُنادى وليدها ، ترتفع فيها مؤشرات البؤس إلى أعلى منازلها ، وإلى أعلى قمة في ذُراها ، إنها أيام الإجازة ! أيام الإحساس بحقيقة المنازل ، حين يسافر الناس إلى بلدان بعيدة ، يطلبون المنظر الجميل والراحة والهناء ، في حين لا ينفك الباذخ منكم من ضرب صدره وهو يقول : سأذهب إلى جدة !! الله أكبر يا لثارات السفر ..
كنتُ في مجلسٍ يضم زملاء العمل ، فأخذ كل واحدٍ منهم يلقي علينا خطته في إجازة هذا العام ، فقال قائلٌ منهم : سأذهب هذا العام إلى ماليزيا ومنها إلى تايلاند ، فقال له صاحبه وهو يحاوره ! ما الداعي إلى تايلاند! فالغابات هناك والمناظر كلها واحدة ..
(في خضم هذا الحوار يجلس أحمد الحربي ، ينظر بعينيه الواسعتين ، مرة إلى هذا ومرة إلى ذاك ، في سكونٍ رهيب ، ولا يقطع سكونه إلا طنين ذبابة اصطفته من بين أصحابه)
قال : بل إن في تايلاند شلالاتٍ جميلة ومناظر أجمل ، وسوف أقوم إن شاء الله بمغامرة رائعة ، فسوف أقوم بالتجديف في الأنهار هناك ..
فقال له صاحبه ، هذا صحيح ، ولستُ أدري ربما أفعل فعلك ..
ثم دخل آخر في الحديث ، وأبدى خطته في هذه الإجازة ، وفصل فيها تفصيلاً على قدر محفظته ..
عندها ، قلتُ في نفسي لم لا أخبرهم بخطتي هذا العام ! والتي لا تختلف عن سابقاتها من الأعوام ، منذ أن عرفتُ قيادة السيارة .. فرفعتُ بصري ، ولويتُ عنقي ، واعتدلتُ في جلستي ، وألصقت ظهري بالجدار ، وقطّبتُ جبيني .. ثم قلتُ بلهجة الجبار المتغطرس : أما أنا أيها الرجال .. فسكتَ الجميع كأنما على رؤوسهم الطير ؛ في انتظار خطتي ! تابعتُ وقلت : فإني قد عزمتُ الذهاب إلى جدة !! ما انتهيتُ من كلامي حتى حلّق الذهول على المجلس ! تابعتُ وقلتُ : واخترت أن أسكن في شارع قريش !! فتعالتِ الضحكات من جوانب المجلس ، فضحكوا وضحكوا حتى اغرورقت أعينهم بالدموع ، وصدقوني حتى أكواب الشاي سمعتها تضحك بملء فِيها ، وحتى الأباريق ، وحتى الخُبز !!
قلتُ علام تضحكون ! فقال قائلٌ منهم ، بالله لو سمحت أين يقع شارع قريش ! قلتُ كم أنت مسكين حين لا تعرف شارع قريش ! وكم فاتك من عمرك ولمّا تتنعم بنعم الله ! اذهب إلى ماليزيا واذهب إلى تايلاند ، فإنك ما لم تسكن في شارع قريش ، فإنك ما ذقت طعم الدنيا !! قال أليس هو ذلك الشارع الذي فيه دعاية مجسم حليب نيدو ! قلتُ يا ألله ! ماذا أفعل لك ، حتى معلوماتك قديمة ، لقد غيروه وأنا عين الخبير به ، فالمجسم الآن به دعاية حليب لونا .. فاخذني الزّهو بهذا المعلومة كل مأخذ ..
ومرةً أخرى يا سيداتي ، كانوا يتحدثون بنفس تلك الأحاديث فقال أحدهم ، لقد جربتُ الطيران السعودي فيما سبق من أسفاري ، أما هذه السنة فسأجرب الطيران الإماراتي ، فإنهم يثنون عليه ! فقلتُ : نعم نعم ، حتى أنا كنت في ما مضى من أسفاري ، أذهب إلى جُدة عن طريق الهجرة ! أما هذه السنة فسأسلك الطريق الجديد الذي يمر بمدينة ينبع ! فضحكوا وضحكوا وضحكتْ معهم أكواب الشاي والأباريق والخبز ..
نعم .. أيها الفقراء .. نحن محظوظون بجدة ، إنني لا أشك في حسدهم لنا ، فإن بجدة ما ليس بكوالالمبور ، ولا بتايلاند ، ولا بالجبل الأخضر ، ولا بِكَسب ، ولا بكازبلانكا ، فلدينا الكورنيش ، وأيُّ كورنيش !! كورنيشٌ ليس ككل الكرانيش !! فما إن تمد فراشك على الأرض لتنعم بالنظر إلى سعة البحر ، حتى تطل عليك صُرصارة ، تسألك عن الطريق إلى بحيرة الأربعين ! فتقفَ بجانبها وتَهدِيها الطريق ، وربما طلبتْ أن تلتقط صورةً معك !! فتنطلق شاكرةً مسرورة !! وما تتنفس الصعداء ، حتى تمر أمامك قطة تعرض مفاتنها ، تسألك جناح دجاجة أو فخذ دجاجة ! فاللهم اكفنا شر العين والحسد ..
أيها الفقراء .. إننا لو ذهبنا إلى تلك الديار البعيدة فسنفقد شيئاً من متع السفر ، لا يوجد إلا في جدة ! إنه الزحام بلا سبب ! فهل ستجازفون بفقد هذه المتعة والذهاب إلى تلك الدول المنظمة !
ومتعة أخرى ! لا تقل عن صاحبتها ، إنها إشارات المرور ! والتي قد زاد عددها على عدد يأجوج ومأجوج !!
إيها الفقراء .. هلموا إلى جدة ، إلى شارع قريش بدعاية لونا ، وإن أبيتم فإلى شارع صاري ، وإلا فشارع حراء ، وإن رفضتم كل هذه العروض فلا سكنتم إلا في غليل والهنداوية وكيلوا اثنين ..
أيها الفقراء ..
دمتم بخيرٍ ورضا ..
م ن ق و ل / انتظرو التوقيعabd366366@hotmail.com
للفقر طعمٌ لا يعرفه إلا الفقراء ! وحياة لا يدركها إلا أهلوها ، هم أهل الأرض حقيقة وأما غيرهم فمجاز استوفى شروطه ! هم وليس غيرهم ؛ من يستطيع أن يحدثوك حديث العفوية في أبهى صُوَرِها ، حديث الصدق وحديث القلب ، وهم هم ؛ من يعيشون حياتهم في منأىً عن المجاملات الفارغة ، والبروتوكولات المقيِّدة ، وهم الذين يموتون كما يموت الإنسان المخلوق من طينٍ لازب ، يموتون ولا يشعر بهم إلا قلةٌ من الناس ! فيُدفنون فيما بين غمضة عين وانتباهتها ! كرامةً من الله لهم أن يعبث بهم أصحاب البروتوكولات والتنظيمات ..
وكم أتعجب ، ويأخذني العجب بتلابيبي ويطرحني أرضاً ! من شعراء ـ زعموا ـ يتحدثون في قصائدهم بأساليب الفقراء ، ومصطلحات الفقراء ، ونفَسِ الفقراء ، وهم ما عرفوا الفقر يوماً من دهرهم ، بلْهَ ساعةً ! بلْهَ ثانيةً ، فمنذ أن لفظتهم أرحام أمهاتهم ! وهم على الأرائك يتقلبون ، وأرتالٌ من الخدم والحشم من حولهم واقفون ، وفي حياتهم كلها لم يُضربوا ضرب غرائب الإبل كما ضُربنا ، ولا ضرب ربات الحِجال ، لم يسمعوا كلمة لا ! وما طلبوا شيئاً قليلاً ولا كثيراً إلا أُحضر لهم على متون الرياح !
غير أنهم اليوم يتحدثون بلغتنا ، لا أقول بلهجتنا ، فيذكرون فيما يذكرون شظف العيش ! والمعاناة ! والألم ، وصدقوا وهم الصادقون المصَدَّقون !! فإنهم وجدوا من شظف العيش ما لم يجدْه ذو أطمارٍ بالية !
فهذا أحدهم ، لقي من العناء ما لقي ، فلكم أن تتخيلوا من السوء ما شئتم ولن تصلوا إلى كُنْه ما لقيه !! فإنه في ثلاثة أيامٍ عجافٍ متتاليات ، في مدة عشر سنواتٍ ؛ لم يذق فيها إسكريماً بالفراولة !! ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
وآخر ! لقي من المعاناة ما لقي ، حتى كاد أن يأكل خشاش الأرض ، وقصته يا سادة لا كالقصص ، إنها قصة محزنة للغاية ، إن دلتْ فإنما تدل على حقارة الدنيا ! كما هي عِبارته ، فإنه قد سعى في شراء أرض ببضعة ملايين ، ولم يكتبها الله له ، فاشتراها غيره ! فرجع إلى قصره يبكي كما الطفل الرضيع ..
وثالثٌ ! أمضه الألم حتى كاد أن يقتله .. فكيف له بالصبر على انتظار سيارته الجديدة ساعةً من نهار ! وما فتيء يلعن الجمارك دهره لأجل تلك الساعة ..
بعيداً بعيداً أيها المزيفون ! فنحن النائحة الثكلى وأنتم المستأجرة ، لن ينخدع بكم إلا من هو على شاكلتكم ! في شظف العيش والمعاناة والألم !! أما نحن فما نسمع قصائدكم حتى يكاد يقتلنا زيفكم وصفاقة وجوهكم ! لِمَ التشبه بنا ؟! وعلامَ محاكاتنا ؟! نحن راضون بما قسم الله لنا ، فلن نعترض طريقكم فابتعدوا عنا ..
ليت شِعري وشَعري ! ما الذي يدعوكم إلى كل هذا ؟! أم إنه التسلق إلى المناصب على أكتافنا ! فأبعدكم الله ، ألم تجدوا ما تسخرون به غيرنا ! أم أنه الحسد لما أنعم الله به علينا ، من التلذذ برائحة الأرض ، والأكل مما تيسر من بقلها وفومها وعدسها ، ومن مقاساة الشدائد من قطع الكهرباء والماء ، ومن الاستمتاع بعد الليالي ، في انتظار ليلة الخامس والعشرين من كل شهر ، ليفرح الوالد أشد من فرح الصِّبية ، وما نقول أيها المنعمون في الحِلية في تشبهكم بنا ، إلا اعتراكم بعض سعادتنا بسوء !
وإليكم يا سادة فقيراً من فقرائنا ، وشاعراً ثقّفه الفقر حتى غدا لا يُشق له غبار .. إنه ابن الرومي فانظروا إليه وهو يحكي بعض مواقفنا اليومية ..
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به
--------------------------------------- يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصرِ
ما بين رؤيتهـا في كفـه كـرةً
--------------------------------------- وبيـن رؤيتهـا زهـراء كالقمرِ
إلا بمقـدار مـا تنـداح دائـرةٌ
--------------------------------------- في صفحة الماء يُرمَى فيه بالحجر
هذا هو الفقير قلباً وقالباً ، أخذ الفقر أباً عن جد ، يحمله خلفٌ عن سلف ، حتى وصل إليه ، فحمل الراية فقام بها خير قيام ، حتى أنتج لنا تلك الأبيات الخالدة ..
معاشر الفقراء .. إننا قادمون على أيامٍ عصيبة ، أيامٌ لا يُنادى وليدها ، ترتفع فيها مؤشرات البؤس إلى أعلى منازلها ، وإلى أعلى قمة في ذُراها ، إنها أيام الإجازة ! أيام الإحساس بحقيقة المنازل ، حين يسافر الناس إلى بلدان بعيدة ، يطلبون المنظر الجميل والراحة والهناء ، في حين لا ينفك الباذخ منكم من ضرب صدره وهو يقول : سأذهب إلى جدة !! الله أكبر يا لثارات السفر ..
كنتُ في مجلسٍ يضم زملاء العمل ، فأخذ كل واحدٍ منهم يلقي علينا خطته في إجازة هذا العام ، فقال قائلٌ منهم : سأذهب هذا العام إلى ماليزيا ومنها إلى تايلاند ، فقال له صاحبه وهو يحاوره ! ما الداعي إلى تايلاند! فالغابات هناك والمناظر كلها واحدة ..
(في خضم هذا الحوار يجلس أحمد الحربي ، ينظر بعينيه الواسعتين ، مرة إلى هذا ومرة إلى ذاك ، في سكونٍ رهيب ، ولا يقطع سكونه إلا طنين ذبابة اصطفته من بين أصحابه)
قال : بل إن في تايلاند شلالاتٍ جميلة ومناظر أجمل ، وسوف أقوم إن شاء الله بمغامرة رائعة ، فسوف أقوم بالتجديف في الأنهار هناك ..
فقال له صاحبه ، هذا صحيح ، ولستُ أدري ربما أفعل فعلك ..
ثم دخل آخر في الحديث ، وأبدى خطته في هذه الإجازة ، وفصل فيها تفصيلاً على قدر محفظته ..
عندها ، قلتُ في نفسي لم لا أخبرهم بخطتي هذا العام ! والتي لا تختلف عن سابقاتها من الأعوام ، منذ أن عرفتُ قيادة السيارة .. فرفعتُ بصري ، ولويتُ عنقي ، واعتدلتُ في جلستي ، وألصقت ظهري بالجدار ، وقطّبتُ جبيني .. ثم قلتُ بلهجة الجبار المتغطرس : أما أنا أيها الرجال .. فسكتَ الجميع كأنما على رؤوسهم الطير ؛ في انتظار خطتي ! تابعتُ وقلت : فإني قد عزمتُ الذهاب إلى جدة !! ما انتهيتُ من كلامي حتى حلّق الذهول على المجلس ! تابعتُ وقلتُ : واخترت أن أسكن في شارع قريش !! فتعالتِ الضحكات من جوانب المجلس ، فضحكوا وضحكوا حتى اغرورقت أعينهم بالدموع ، وصدقوني حتى أكواب الشاي سمعتها تضحك بملء فِيها ، وحتى الأباريق ، وحتى الخُبز !!
قلتُ علام تضحكون ! فقال قائلٌ منهم ، بالله لو سمحت أين يقع شارع قريش ! قلتُ كم أنت مسكين حين لا تعرف شارع قريش ! وكم فاتك من عمرك ولمّا تتنعم بنعم الله ! اذهب إلى ماليزيا واذهب إلى تايلاند ، فإنك ما لم تسكن في شارع قريش ، فإنك ما ذقت طعم الدنيا !! قال أليس هو ذلك الشارع الذي فيه دعاية مجسم حليب نيدو ! قلتُ يا ألله ! ماذا أفعل لك ، حتى معلوماتك قديمة ، لقد غيروه وأنا عين الخبير به ، فالمجسم الآن به دعاية حليب لونا .. فاخذني الزّهو بهذا المعلومة كل مأخذ ..
ومرةً أخرى يا سيداتي ، كانوا يتحدثون بنفس تلك الأحاديث فقال أحدهم ، لقد جربتُ الطيران السعودي فيما سبق من أسفاري ، أما هذه السنة فسأجرب الطيران الإماراتي ، فإنهم يثنون عليه ! فقلتُ : نعم نعم ، حتى أنا كنت في ما مضى من أسفاري ، أذهب إلى جُدة عن طريق الهجرة ! أما هذه السنة فسأسلك الطريق الجديد الذي يمر بمدينة ينبع ! فضحكوا وضحكوا وضحكتْ معهم أكواب الشاي والأباريق والخبز ..
نعم .. أيها الفقراء .. نحن محظوظون بجدة ، إنني لا أشك في حسدهم لنا ، فإن بجدة ما ليس بكوالالمبور ، ولا بتايلاند ، ولا بالجبل الأخضر ، ولا بِكَسب ، ولا بكازبلانكا ، فلدينا الكورنيش ، وأيُّ كورنيش !! كورنيشٌ ليس ككل الكرانيش !! فما إن تمد فراشك على الأرض لتنعم بالنظر إلى سعة البحر ، حتى تطل عليك صُرصارة ، تسألك عن الطريق إلى بحيرة الأربعين ! فتقفَ بجانبها وتَهدِيها الطريق ، وربما طلبتْ أن تلتقط صورةً معك !! فتنطلق شاكرةً مسرورة !! وما تتنفس الصعداء ، حتى تمر أمامك قطة تعرض مفاتنها ، تسألك جناح دجاجة أو فخذ دجاجة ! فاللهم اكفنا شر العين والحسد ..
أيها الفقراء .. إننا لو ذهبنا إلى تلك الديار البعيدة فسنفقد شيئاً من متع السفر ، لا يوجد إلا في جدة ! إنه الزحام بلا سبب ! فهل ستجازفون بفقد هذه المتعة والذهاب إلى تلك الدول المنظمة !
ومتعة أخرى ! لا تقل عن صاحبتها ، إنها إشارات المرور ! والتي قد زاد عددها على عدد يأجوج ومأجوج !!
إيها الفقراء .. هلموا إلى جدة ، إلى شارع قريش بدعاية لونا ، وإن أبيتم فإلى شارع صاري ، وإلا فشارع حراء ، وإن رفضتم كل هذه العروض فلا سكنتم إلا في غليل والهنداوية وكيلوا اثنين ..
أيها الفقراء ..
دمتم بخيرٍ ورضا ..
م ن ق و ل / انتظرو التوقيعabd366366@hotmail.com