الهجيس
12-03-2004, 03:21 AM
كنا في المرحلة الثانوية ، السنه الأخيرة منها
كان ذلك في وقت الفسحة؛ والجميع خارج الفصل ، وبقينا نحن قرابة
الثمانية نتحاور حوارا ودياً ثم دخل الحوار إلى نقطة ساخنة جداً اشتدت
معها العبارات وارتفعت الأصوات ، واحتد النقاش ولم يبق إلا أن يرفع
بعضنا يده على بعض !
كان باب الفصل مفتوحا ، كانت نقطة الخلاف التي فجرت ثورة الغضب
لدى الطريفين ، هي :
الغناء .. أحلالٌ هو أم حرام .. بعضنا يؤكد حرمته ، والبعض الآخر يفند
كل حجة يسمعها بما تيسر على لسانه !! مع أنه غير ملتزم أصلاًّّ !!
فجأة أطل علينا مدرس شاب محبوب ، كان ماراً في الممر وسمع
أصواتنا فعرج علينا.. أما أنا وفريقي ففرحنا حين رأيناه ..
وقلت في نفسي : ساقك الله أيها الفاضل لتضع حجرا
في أفواه هؤلاء المكابرين ..!!
وكأنما كنتُ أتشفى بما أرى ، قلت في نفسي وأنا أكاد أتبسم :
شعرت أن الذين كانوا قبل قليل كالنار المستطير ثورة ، ابتلعوا ألسنتهم..
وهمسوا بصوت خافت أن نغير الموضوع ، لكني رأيت أنها فرصة لا ينبغي لي
أن أفوتها .. فبادرت أرحب بالأستاذ ثم بلا مقدمات عرضت عليه الموضوع ..
وطلبت منه أن يقول كلمة الفصل في كلمات وبلا إطالة .. !!!
زادت ابتسامة الأستاذ وهو يدير عينيه في وجوه الجميع وجهاً وجها .. ثم قال :
بارك الله فيكم جميعا وإني أحسب أنكم على خير كبير حتى الذين يجادلون في
حل الأغاني وعدم حرمتها ، فلولا الخير الكامن في قلوبهم ما ناقشوا المسألة أصلا !!
لكني كنت أحمل لكم موضوعا مثيراً ورائعا وفائدته أكثر وأعمق من إثارة هذه القضية ..
ورأيت الآخرين كأنما يتنفسون الصعداء ..وتهللت وجوههم واستنارت
أما أنا فكأنما لطمني بموقفه هذا .. وساءني ما قال .. غير أنه بادر يفتح جريدة كانت
في يده وأخذ يقلبها بسرعة حتى استقر بها على صفحات داخلية ، تتضمن صوراً مختلفة
عن زلزال تركيا الذي قتل قرابة العشرة ألاف إنسان وشرد عشرات الآلاف في العراء ..
ثم شرع يعلق على تلك الصور ، تعليقاً حرك به القلوب ، وهز به الأرواح
ولن أكون مغالياً لو قلت أن البعض دمعت عيناه وهو يرى ما يرى تحدث عن الموت
وكيف أنه سيهجم على الإنسان في أية لحظة.. وقد يكون وقتها أمام جهاز تلفاز
يتابع ما يسخط الله عليه ، فيلقى الله وهو غير راضٍ عنه ، وذكر نماذج
من خاتمة السوء التي حدثت لكثيرين وكان يربط حديثه بهذه الصور..
ترى هؤلاء كيف لقوا الله؟؟
هل كانوا جميعا على طاعة حين انهارت المباني على رؤوسهم ..؟
أم أن بعضهم كان يتابع فيلماً هابطاً ومات وهو كذلك ؟؟
ولما قرع الجرس ، ابتسم من جديد وقال : يؤسفني أن الوقت لم يسمح
لأجيب على سؤالكم السابق ..
قال أحدنا وهو يضحك : بل أجبت بطريقة رائعة ..
يستوعبها من كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد ..!
فقال: أرجو ذلك .. المهم عندي الآن أنكم انتفعتم بهذه المشاهد وهذا التعليق ..
ثم شرع يصافحنا فرداً فرداً وهو يدعو لنا ويعتذر منا !!
بعد يومين من هذا المشهد ، وكنا في الفصل ننتظر أستاذا يحل محل
أستاذ الحصة الذي غاب ذلك النهار ..
فجأة يطل علينا ذلك المعلم الرائع .. وتهللت جميع الوجوه.. كنا على اختلاف مشاربنا
وأفكارنا نجد عند هذا المعلم حاجة جديدة في كل مرة ينفعنا بها ، بطريقة سلسلة
وجذابة تصل إلى القلب من أقرب طريق.. بعد أن ألقى السلام وحمد الله وصلى على رسوله الكريم
أخبرنا أنه سيحيل هذه الحصة _ وهي حصة فراغ _ سيحيلها إلى دردشة حرة وحوار أخوي
نتعلم فيه كيف نصغي ونسمع ونتابع ونعترض بأدب.. وتهللت وجوه الطلاب جميعا _ ربما لأنهم
لن يأخذوا درسا مقرراً !! واستدار ليكتب بخط جميل هذه العبارة : أسئلة للعقلاء فقط .. !!
ثم أخذ يعرفنا من هو العاقل الذي يقصده هنا ..
هو الذي إذا عرف الحق التزم ، ولم يكابر ، ولم يجادل بغير علم ..
وأخذ يؤكد أن العاقل حين يفكر جيداً في هذه الأسئلة _ وأمثالها _ سيصل إلى
الجواب الواضح بكل يسر ..
أما المكابر الذي يركب هواه أو يركبه هواه ، فهذا لن ينتفع بهذه الأسئلة وأمثالها
بل لن ينتفع ولو رأى الملائكة !! ثم قال : وأحسبكم جميعاً عقلاء ناضجين ..
وشرع يعرض مجموعة من الأسئلة ..
السؤال الأول : تأملوا هذا المشهد جيداً ..
امرأة متحجبة ، محتشمة ، لا يظهر منها شيء على الإطلاق ..
قررت هذه المرأة ، وكانت تقف وسط حشود من الرجال مع مجموعة من النسوة
قررت أن تقف على مرتفع هناك ، ثم ترفع صوتها بأقصى ما تستطيع
تنادي للصلاة : الله أكبر الله أكبر .. الخ
بصوت أجش ، قوي ، حازم ، لا تكسر فيه ولا تميع معه !!
السؤال : هل يجوز لها أن تفعل ذلك ؟
تعالت الأصوات : كلا، لا يجوز لها ذلك ابداً ..
ابتسم الأستاذ ابتسامة كبيرة جداً ثم قال : وكيف حكمتم بهذا ..؟
قال أحدنا : لقد حدثنا بمثل هذه المسألة استاذ التربية الإسلامية ..
وقال : أنها لو أصرت على أن تفعل ذلك ، فإن الملائكة تلعنها ..!
كاد الأستاذ أن يضحك ، فقد تلألأ وجهه بقوة وزادت استنارته بوضوح
وأخذ يدير عينيه في وجوه الحاضرين .. ثم قال :
الحمد لله أنكم سمعتم هذا من غيري فأنتم تعرفون أنني مدرس علوم !!
المهم لاحظوا الآن ، واعقدوا على خناصركم ..
هذه المرأة سترفع النداء للصلاة .. هذه واحدة ..!
ثم أن الكلام الذي ستقوله كله ذكر لله سبحانه ... هذه الثانية !
ثم أنها سترفع صوتها بقوة بلا تميع ولا تكسر ولا ترقيق عبارة .. هذه الثالثة !
ثم فوق هذا كله .. هي محتجبة كلها لون اسود ، لا يظهر منها شيء أبدا.. وهذه الرابعة !
وكتب على السبورة هذه النقاط الأربع ..
ثم قال .. ومع هذا كله .. فإنه لا يجوز لها أن تفعل هذا !!
بل وكما تعلمتم : أن الملائكة ستلعنها..
إن هي أصرت أن تفعل هذا وسط جموع الرجال .. !!
والسؤال الآن :
كيف إذن يجوز لامرأة شبه عارية .. تخرج أمام عشرات الألوف بل مئات الألوف من الرجال
وكأنما هي ذاهبة إلى حفل عرسها الخاص ، وتقف لترفع صوتها بكلمات ذات معاني
رخيصة تدعو إلى الرذيلة ، وبطريقة ناعمة مثيرة تخضع فيها بالقول ..
وربما برقصات مصاحبة تثير الساكن حتى عند الصخر الجامد ..!!
كيف يصح أن تكون هذه الصورة جائزة وحلال ولا شيء فيها !!!
مع أنا اتفقنا أن الصورة الأولى لا تجوز أبداً أبدا وتلعنها الملائكة إن فعلت !؟
أي عقل يقول يجواز الثانية ؟؟
إذا كانت الأولى تلعنها الملائكة لو نادت للصلاة .. بصوت أجش وقوي ، وبملابس ساترة ..
فماذا نقول عن الثانية !؟ تلعنها الملائكة ؟؟
فقد لعنت الأولى وهي تفعل الخير ...!! لا جواب ..
المسألة إذن واضحة كالشمس في كبد النهار ..
ولكن القلوب المطموسة تجادل وتكابر .. السر في ذلك ...
لأنها تعبد الهوى .!! وقد حذرنا الله من هذه عبادة هذا الإله !! فقال :
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)
ثم قال : والآن ننتقل إلى النقطة الثانية :
ورد في الحديث الشريف أن الله لا يقبل إلا طيباً ..
وما لم يكن طيباً فإن الله لا يقبله ، لأنه لا يحبه ، بل يرده على صاحبه
ليحاسبه عليه حساباً عسيرا يوم سيلقاه ..
السؤال : هل الغناء الذي نراه يعتبر من العمل الطيب
الذي يتقرب به الإنسان إلى الله ليرضى به عنه !!
لأنه يعلم أن الله يحبه فهو حريص على تحصيل مرضاة الله تعالى من خلال تقديم هذا العمل !!!
أي مسلم صغر أم كبر ، كان متعلما أم أمياً .سيجيبك على هذا السؤال :
لا والله ليس الغناء كذلك ..فهو ليس مما يتقرب به العبد من الله !!
وأنتم ما رأيكم دام فضلكم .. !؟
إذن.. إذا كان الغناء عمل لا يحبه الله ولا يتقبله..
فيكف نحبه نحن ونرضاه لأنفسنا ونقبله ونقبل عليه !؟
وننفق عليه أموال كثيرة وجهدا ووقتاً ..أهي جرأة على الله
أم أن عبادة الهوى قد استحكمت فينا بحيث لا تدعنا نفكر تفكيرا سلميا يرضي الله ؟
ويتفرع عن هذه المسألة مسألة قريبة منها :
أن الله سبحانه لا يتقبل أي عمل ما لم يكن هذا العمل خالصا لوجهه الكريم
فهل الغناء الذي نراه صباح مساء في الفضائيات وغيرها ..
عمل يُراد به وجه الله سبحانه ..
أم أنه عمل يُراد به وجه الشيطان عليه لعان الله تترى !؟!!
واستدار ليكتب عنوانا للنقطة الثانية ..ثم انتقل للنقطة الثالثة ..فقال :
جاء رجل _ في زمن التابعين _ إلى صحابي جليل وسأله عن الغناء
حلال أم حرام .. فقال له : أنصف نفسك بنفسك ..
إذا جاء يوم القيامة ووضع الميزان .. لتوزن به أعمالك كلها ..
فبالله عليك أين ستضع الملائكة هذا الغناء .. أفي كفة الحق أم في كفة الباطل ؟
قال الرجل وكان عاقلا : بل والله ستضعه في كفة الباطل ..
قال الصحابي الجليل : إذن اذهب ، فقد أفتيت نفسك ..!!
والسؤال هنا هام جداً :
يلاحظ أن هذا كان في زمن التابعين ... يعني لم يكن الغناء هابطاً مريضا
على النحو الذي تراه عيون الدنيا اليوم ..
ولم تكن فيه ( معازف ) وكان بلغة عربية قوية ، وربما كان يتضمن معانٍ جيدة ..
ومع هذا سيكون ( في كفة الباطل ) كما ورد في النص ..
السؤال : فماذا عن هذا الغناء الهابط الذي تتقيأ بها الفضائيات في وجوهنا
صباح مساء . ونحن نتابع كأننا مسحورون !؟
أين سيوضع . ويوضع أصحابه ؟؟! مسألة واضحة ولكن :
( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
وكتب عنواناً جديداً ، ثم انتقل إلى نقطة جديدة .. فقال :
يقول الله سبحانه وتعالى : (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً)
وفي الحديث الشريف : إن الله لا يحب الفاحش البذيء ..
والآن حاول أن تجمع كلمات الأغاني بين يديك ..
وتأمل فيها ملياً ، وأعد النظر إليها ، وتدبر معانيها ، وثمراتها
وما توصل إليه ، وما تحركه في نفس الإنسان من معاني ..
ثم سل نفسك بصدق : أليست تندرج في هذين النصين الكريمين :
جهر بقول السوء الذي لا يحبه الله تعالى ..
وفحش في الكلام ، وبذاءة في المعاني .. ودعوة رخيصة إلى الرذيلة
شعر بذلك أصحباها أم لم يشعروا ..
ومن ثم فهل نتصور مؤمناً صادق الإيمان ، محباً لله سبحانه ،
يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه سبحانه ،
هل نتصور مثل هذا الإنسان يقبل على أمور يكرهها الله ويحذره منها !؟؟
إن الجدال في مثل هذا مكابرة ، يندرج صاحبها رغم انفه المتورم
في أنه عابد وثن اسمه ( الهوى ) .. وعليه أن يتحرر من هذه العبودية أولا
ليسهل عليه أن يقتنع ثانياً ..!!
وكتب عنواناً جديدا .. لينتقل إلى نقطة أخرى .. فقال :
كان الشعر قديماً بلغة راقية جداً ، وذات صور بديعة رائعة ،
ولعل المعاني كان أكثرها حسناً لولا الغلو فيما يذهب إليه الشعراء في المدح أو الذم
ومع هذا قال الله سبحانه : ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون َ)
فحكم على الذين يتابعون أولئك الشعراء منبهرين بهم ، يصفقون لهم
ويرددون أقوالهم ، مسلمين بما يقولونه .. حكم عليهم ربهم بأنهم ( ضالون)
السؤال الآن : فماذا يمكن أن نحكم على هؤلاء الذين يتابعون هذا الغناء المريض الهابط !؟
أكثر غواية ، وأشد ضلالة ، وأقل عقلاً !!
وسجل عنوانا جديدا ، ثم التفت ليسأل:
قضاء الوقت في سماع أغنية أو اغنيتين أو يزيد ..
هل تكون الملائكة في ذلك الوقت تسجل لك حسنات على ما تفعل
أم انها تسجل لك سيئات على تضييع وقتا كان يمكنك أن تتقرب به إلى الله ؟؟
الجواب واضح لا يختلف عليه اثنان صادقان يطلبان الحق ..
والأصل : أن المؤمن الصادق المحب لله سبحانه ، أحرص ما يكون
أن لا تضيع منه دقيقة واحدة ناهيك عن ساعات .
في شيء يبعده عن ربه سبحانه .. بل كل همه أن يزداد تقرباً من الله
ليرضى الله عنه ويرفع درجاته في الجنة ما النبيين ..
وكتب عناونا جديدا .. ثم استدار ليخرج من حقيبته قصاصات كثيرة
و أخذ يستعرض نماذج من كلمات الأغاني ..
واتضح هنا أنه قد أعد عدته لهذه الحصة في اليومين السابقين !!
ثم أخذ يلفت النظر إلى المعاني الهابطة التي تدعو للرذيلة ..
وإلى المعاني التي تضمن شركاً بالله !! وإلى المعاني التي تضمنت سخطا على القدر ..
ثم عرج ليعلق على طريقة الغناء ..وما يصاحبه من فحش ..الخ
وعاد يقلب في حقيبته ليخرج اوراقاً أخرى ..
فإذا هي عبارة عن فتاوى صريحة بتحريم الغناء من القديم والحديث !
كان يقرأها مختصرة وعلى عجل ..
و سكت سكتة طويلة .. ثم قال :
لا باس ، سننسى كل هذا الذي قلناه .. وانتبهوا الأن جيداً ..
وشرع يتحدث عن أحوال الأمة وما تمر به من مآسٍ دامية
وركز الضوء على ما يحدث في فلسطين ، والأهوال التي تهز الصخر
ثم بعد هذا كله يجد مسلم وقتاً ليغني ويرقص ..!
ويزعم أنه يحب الله تعالى ، ويحب دينه ، ويحب أمته !؟
في خاتمة الحصة .. رفع يديه في ضراعة وأخذ يدعو برقة قلب ،
ويبتهل في خشوع ، حتى خيل إليّ أنه سيبكي ..
بل أن بعض الزملاء دمعت عيناه _ كما اخبرني بعضهم _
وكانت حصة متميزة جدا ، وعلى قدر ما ساءني موقفه قبل يومين
على قدر ما أعجبني أسلوبه الفذ في هذه الحصة وهو يحاور
ويناقش ويتحمل ثم يصل إلى ما يريد أن يقرره ..
.
مــنــقــولــة
كان ذلك في وقت الفسحة؛ والجميع خارج الفصل ، وبقينا نحن قرابة
الثمانية نتحاور حوارا ودياً ثم دخل الحوار إلى نقطة ساخنة جداً اشتدت
معها العبارات وارتفعت الأصوات ، واحتد النقاش ولم يبق إلا أن يرفع
بعضنا يده على بعض !
كان باب الفصل مفتوحا ، كانت نقطة الخلاف التي فجرت ثورة الغضب
لدى الطريفين ، هي :
الغناء .. أحلالٌ هو أم حرام .. بعضنا يؤكد حرمته ، والبعض الآخر يفند
كل حجة يسمعها بما تيسر على لسانه !! مع أنه غير ملتزم أصلاًّّ !!
فجأة أطل علينا مدرس شاب محبوب ، كان ماراً في الممر وسمع
أصواتنا فعرج علينا.. أما أنا وفريقي ففرحنا حين رأيناه ..
وقلت في نفسي : ساقك الله أيها الفاضل لتضع حجرا
في أفواه هؤلاء المكابرين ..!!
وكأنما كنتُ أتشفى بما أرى ، قلت في نفسي وأنا أكاد أتبسم :
شعرت أن الذين كانوا قبل قليل كالنار المستطير ثورة ، ابتلعوا ألسنتهم..
وهمسوا بصوت خافت أن نغير الموضوع ، لكني رأيت أنها فرصة لا ينبغي لي
أن أفوتها .. فبادرت أرحب بالأستاذ ثم بلا مقدمات عرضت عليه الموضوع ..
وطلبت منه أن يقول كلمة الفصل في كلمات وبلا إطالة .. !!!
زادت ابتسامة الأستاذ وهو يدير عينيه في وجوه الجميع وجهاً وجها .. ثم قال :
بارك الله فيكم جميعا وإني أحسب أنكم على خير كبير حتى الذين يجادلون في
حل الأغاني وعدم حرمتها ، فلولا الخير الكامن في قلوبهم ما ناقشوا المسألة أصلا !!
لكني كنت أحمل لكم موضوعا مثيراً ورائعا وفائدته أكثر وأعمق من إثارة هذه القضية ..
ورأيت الآخرين كأنما يتنفسون الصعداء ..وتهللت وجوههم واستنارت
أما أنا فكأنما لطمني بموقفه هذا .. وساءني ما قال .. غير أنه بادر يفتح جريدة كانت
في يده وأخذ يقلبها بسرعة حتى استقر بها على صفحات داخلية ، تتضمن صوراً مختلفة
عن زلزال تركيا الذي قتل قرابة العشرة ألاف إنسان وشرد عشرات الآلاف في العراء ..
ثم شرع يعلق على تلك الصور ، تعليقاً حرك به القلوب ، وهز به الأرواح
ولن أكون مغالياً لو قلت أن البعض دمعت عيناه وهو يرى ما يرى تحدث عن الموت
وكيف أنه سيهجم على الإنسان في أية لحظة.. وقد يكون وقتها أمام جهاز تلفاز
يتابع ما يسخط الله عليه ، فيلقى الله وهو غير راضٍ عنه ، وذكر نماذج
من خاتمة السوء التي حدثت لكثيرين وكان يربط حديثه بهذه الصور..
ترى هؤلاء كيف لقوا الله؟؟
هل كانوا جميعا على طاعة حين انهارت المباني على رؤوسهم ..؟
أم أن بعضهم كان يتابع فيلماً هابطاً ومات وهو كذلك ؟؟
ولما قرع الجرس ، ابتسم من جديد وقال : يؤسفني أن الوقت لم يسمح
لأجيب على سؤالكم السابق ..
قال أحدنا وهو يضحك : بل أجبت بطريقة رائعة ..
يستوعبها من كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد ..!
فقال: أرجو ذلك .. المهم عندي الآن أنكم انتفعتم بهذه المشاهد وهذا التعليق ..
ثم شرع يصافحنا فرداً فرداً وهو يدعو لنا ويعتذر منا !!
بعد يومين من هذا المشهد ، وكنا في الفصل ننتظر أستاذا يحل محل
أستاذ الحصة الذي غاب ذلك النهار ..
فجأة يطل علينا ذلك المعلم الرائع .. وتهللت جميع الوجوه.. كنا على اختلاف مشاربنا
وأفكارنا نجد عند هذا المعلم حاجة جديدة في كل مرة ينفعنا بها ، بطريقة سلسلة
وجذابة تصل إلى القلب من أقرب طريق.. بعد أن ألقى السلام وحمد الله وصلى على رسوله الكريم
أخبرنا أنه سيحيل هذه الحصة _ وهي حصة فراغ _ سيحيلها إلى دردشة حرة وحوار أخوي
نتعلم فيه كيف نصغي ونسمع ونتابع ونعترض بأدب.. وتهللت وجوه الطلاب جميعا _ ربما لأنهم
لن يأخذوا درسا مقرراً !! واستدار ليكتب بخط جميل هذه العبارة : أسئلة للعقلاء فقط .. !!
ثم أخذ يعرفنا من هو العاقل الذي يقصده هنا ..
هو الذي إذا عرف الحق التزم ، ولم يكابر ، ولم يجادل بغير علم ..
وأخذ يؤكد أن العاقل حين يفكر جيداً في هذه الأسئلة _ وأمثالها _ سيصل إلى
الجواب الواضح بكل يسر ..
أما المكابر الذي يركب هواه أو يركبه هواه ، فهذا لن ينتفع بهذه الأسئلة وأمثالها
بل لن ينتفع ولو رأى الملائكة !! ثم قال : وأحسبكم جميعاً عقلاء ناضجين ..
وشرع يعرض مجموعة من الأسئلة ..
السؤال الأول : تأملوا هذا المشهد جيداً ..
امرأة متحجبة ، محتشمة ، لا يظهر منها شيء على الإطلاق ..
قررت هذه المرأة ، وكانت تقف وسط حشود من الرجال مع مجموعة من النسوة
قررت أن تقف على مرتفع هناك ، ثم ترفع صوتها بأقصى ما تستطيع
تنادي للصلاة : الله أكبر الله أكبر .. الخ
بصوت أجش ، قوي ، حازم ، لا تكسر فيه ولا تميع معه !!
السؤال : هل يجوز لها أن تفعل ذلك ؟
تعالت الأصوات : كلا، لا يجوز لها ذلك ابداً ..
ابتسم الأستاذ ابتسامة كبيرة جداً ثم قال : وكيف حكمتم بهذا ..؟
قال أحدنا : لقد حدثنا بمثل هذه المسألة استاذ التربية الإسلامية ..
وقال : أنها لو أصرت على أن تفعل ذلك ، فإن الملائكة تلعنها ..!
كاد الأستاذ أن يضحك ، فقد تلألأ وجهه بقوة وزادت استنارته بوضوح
وأخذ يدير عينيه في وجوه الحاضرين .. ثم قال :
الحمد لله أنكم سمعتم هذا من غيري فأنتم تعرفون أنني مدرس علوم !!
المهم لاحظوا الآن ، واعقدوا على خناصركم ..
هذه المرأة سترفع النداء للصلاة .. هذه واحدة ..!
ثم أن الكلام الذي ستقوله كله ذكر لله سبحانه ... هذه الثانية !
ثم أنها سترفع صوتها بقوة بلا تميع ولا تكسر ولا ترقيق عبارة .. هذه الثالثة !
ثم فوق هذا كله .. هي محتجبة كلها لون اسود ، لا يظهر منها شيء أبدا.. وهذه الرابعة !
وكتب على السبورة هذه النقاط الأربع ..
ثم قال .. ومع هذا كله .. فإنه لا يجوز لها أن تفعل هذا !!
بل وكما تعلمتم : أن الملائكة ستلعنها..
إن هي أصرت أن تفعل هذا وسط جموع الرجال .. !!
والسؤال الآن :
كيف إذن يجوز لامرأة شبه عارية .. تخرج أمام عشرات الألوف بل مئات الألوف من الرجال
وكأنما هي ذاهبة إلى حفل عرسها الخاص ، وتقف لترفع صوتها بكلمات ذات معاني
رخيصة تدعو إلى الرذيلة ، وبطريقة ناعمة مثيرة تخضع فيها بالقول ..
وربما برقصات مصاحبة تثير الساكن حتى عند الصخر الجامد ..!!
كيف يصح أن تكون هذه الصورة جائزة وحلال ولا شيء فيها !!!
مع أنا اتفقنا أن الصورة الأولى لا تجوز أبداً أبدا وتلعنها الملائكة إن فعلت !؟
أي عقل يقول يجواز الثانية ؟؟
إذا كانت الأولى تلعنها الملائكة لو نادت للصلاة .. بصوت أجش وقوي ، وبملابس ساترة ..
فماذا نقول عن الثانية !؟ تلعنها الملائكة ؟؟
فقد لعنت الأولى وهي تفعل الخير ...!! لا جواب ..
المسألة إذن واضحة كالشمس في كبد النهار ..
ولكن القلوب المطموسة تجادل وتكابر .. السر في ذلك ...
لأنها تعبد الهوى .!! وقد حذرنا الله من هذه عبادة هذا الإله !! فقال :
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)
ثم قال : والآن ننتقل إلى النقطة الثانية :
ورد في الحديث الشريف أن الله لا يقبل إلا طيباً ..
وما لم يكن طيباً فإن الله لا يقبله ، لأنه لا يحبه ، بل يرده على صاحبه
ليحاسبه عليه حساباً عسيرا يوم سيلقاه ..
السؤال : هل الغناء الذي نراه يعتبر من العمل الطيب
الذي يتقرب به الإنسان إلى الله ليرضى به عنه !!
لأنه يعلم أن الله يحبه فهو حريص على تحصيل مرضاة الله تعالى من خلال تقديم هذا العمل !!!
أي مسلم صغر أم كبر ، كان متعلما أم أمياً .سيجيبك على هذا السؤال :
لا والله ليس الغناء كذلك ..فهو ليس مما يتقرب به العبد من الله !!
وأنتم ما رأيكم دام فضلكم .. !؟
إذن.. إذا كان الغناء عمل لا يحبه الله ولا يتقبله..
فيكف نحبه نحن ونرضاه لأنفسنا ونقبله ونقبل عليه !؟
وننفق عليه أموال كثيرة وجهدا ووقتاً ..أهي جرأة على الله
أم أن عبادة الهوى قد استحكمت فينا بحيث لا تدعنا نفكر تفكيرا سلميا يرضي الله ؟
ويتفرع عن هذه المسألة مسألة قريبة منها :
أن الله سبحانه لا يتقبل أي عمل ما لم يكن هذا العمل خالصا لوجهه الكريم
فهل الغناء الذي نراه صباح مساء في الفضائيات وغيرها ..
عمل يُراد به وجه الله سبحانه ..
أم أنه عمل يُراد به وجه الشيطان عليه لعان الله تترى !؟!!
واستدار ليكتب عنوانا للنقطة الثانية ..ثم انتقل للنقطة الثالثة ..فقال :
جاء رجل _ في زمن التابعين _ إلى صحابي جليل وسأله عن الغناء
حلال أم حرام .. فقال له : أنصف نفسك بنفسك ..
إذا جاء يوم القيامة ووضع الميزان .. لتوزن به أعمالك كلها ..
فبالله عليك أين ستضع الملائكة هذا الغناء .. أفي كفة الحق أم في كفة الباطل ؟
قال الرجل وكان عاقلا : بل والله ستضعه في كفة الباطل ..
قال الصحابي الجليل : إذن اذهب ، فقد أفتيت نفسك ..!!
والسؤال هنا هام جداً :
يلاحظ أن هذا كان في زمن التابعين ... يعني لم يكن الغناء هابطاً مريضا
على النحو الذي تراه عيون الدنيا اليوم ..
ولم تكن فيه ( معازف ) وكان بلغة عربية قوية ، وربما كان يتضمن معانٍ جيدة ..
ومع هذا سيكون ( في كفة الباطل ) كما ورد في النص ..
السؤال : فماذا عن هذا الغناء الهابط الذي تتقيأ بها الفضائيات في وجوهنا
صباح مساء . ونحن نتابع كأننا مسحورون !؟
أين سيوضع . ويوضع أصحابه ؟؟! مسألة واضحة ولكن :
( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
وكتب عنواناً جديداً ، ثم انتقل إلى نقطة جديدة .. فقال :
يقول الله سبحانه وتعالى : (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً)
وفي الحديث الشريف : إن الله لا يحب الفاحش البذيء ..
والآن حاول أن تجمع كلمات الأغاني بين يديك ..
وتأمل فيها ملياً ، وأعد النظر إليها ، وتدبر معانيها ، وثمراتها
وما توصل إليه ، وما تحركه في نفس الإنسان من معاني ..
ثم سل نفسك بصدق : أليست تندرج في هذين النصين الكريمين :
جهر بقول السوء الذي لا يحبه الله تعالى ..
وفحش في الكلام ، وبذاءة في المعاني .. ودعوة رخيصة إلى الرذيلة
شعر بذلك أصحباها أم لم يشعروا ..
ومن ثم فهل نتصور مؤمناً صادق الإيمان ، محباً لله سبحانه ،
يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه سبحانه ،
هل نتصور مثل هذا الإنسان يقبل على أمور يكرهها الله ويحذره منها !؟؟
إن الجدال في مثل هذا مكابرة ، يندرج صاحبها رغم انفه المتورم
في أنه عابد وثن اسمه ( الهوى ) .. وعليه أن يتحرر من هذه العبودية أولا
ليسهل عليه أن يقتنع ثانياً ..!!
وكتب عنواناً جديدا .. لينتقل إلى نقطة أخرى .. فقال :
كان الشعر قديماً بلغة راقية جداً ، وذات صور بديعة رائعة ،
ولعل المعاني كان أكثرها حسناً لولا الغلو فيما يذهب إليه الشعراء في المدح أو الذم
ومع هذا قال الله سبحانه : ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون َ)
فحكم على الذين يتابعون أولئك الشعراء منبهرين بهم ، يصفقون لهم
ويرددون أقوالهم ، مسلمين بما يقولونه .. حكم عليهم ربهم بأنهم ( ضالون)
السؤال الآن : فماذا يمكن أن نحكم على هؤلاء الذين يتابعون هذا الغناء المريض الهابط !؟
أكثر غواية ، وأشد ضلالة ، وأقل عقلاً !!
وسجل عنوانا جديدا ، ثم التفت ليسأل:
قضاء الوقت في سماع أغنية أو اغنيتين أو يزيد ..
هل تكون الملائكة في ذلك الوقت تسجل لك حسنات على ما تفعل
أم انها تسجل لك سيئات على تضييع وقتا كان يمكنك أن تتقرب به إلى الله ؟؟
الجواب واضح لا يختلف عليه اثنان صادقان يطلبان الحق ..
والأصل : أن المؤمن الصادق المحب لله سبحانه ، أحرص ما يكون
أن لا تضيع منه دقيقة واحدة ناهيك عن ساعات .
في شيء يبعده عن ربه سبحانه .. بل كل همه أن يزداد تقرباً من الله
ليرضى الله عنه ويرفع درجاته في الجنة ما النبيين ..
وكتب عناونا جديدا .. ثم استدار ليخرج من حقيبته قصاصات كثيرة
و أخذ يستعرض نماذج من كلمات الأغاني ..
واتضح هنا أنه قد أعد عدته لهذه الحصة في اليومين السابقين !!
ثم أخذ يلفت النظر إلى المعاني الهابطة التي تدعو للرذيلة ..
وإلى المعاني التي تضمن شركاً بالله !! وإلى المعاني التي تضمنت سخطا على القدر ..
ثم عرج ليعلق على طريقة الغناء ..وما يصاحبه من فحش ..الخ
وعاد يقلب في حقيبته ليخرج اوراقاً أخرى ..
فإذا هي عبارة عن فتاوى صريحة بتحريم الغناء من القديم والحديث !
كان يقرأها مختصرة وعلى عجل ..
و سكت سكتة طويلة .. ثم قال :
لا باس ، سننسى كل هذا الذي قلناه .. وانتبهوا الأن جيداً ..
وشرع يتحدث عن أحوال الأمة وما تمر به من مآسٍ دامية
وركز الضوء على ما يحدث في فلسطين ، والأهوال التي تهز الصخر
ثم بعد هذا كله يجد مسلم وقتاً ليغني ويرقص ..!
ويزعم أنه يحب الله تعالى ، ويحب دينه ، ويحب أمته !؟
في خاتمة الحصة .. رفع يديه في ضراعة وأخذ يدعو برقة قلب ،
ويبتهل في خشوع ، حتى خيل إليّ أنه سيبكي ..
بل أن بعض الزملاء دمعت عيناه _ كما اخبرني بعضهم _
وكانت حصة متميزة جدا ، وعلى قدر ما ساءني موقفه قبل يومين
على قدر ما أعجبني أسلوبه الفذ في هذه الحصة وهو يحاور
ويناقش ويتحمل ثم يصل إلى ما يريد أن يقرره ..
.
مــنــقــولــة